الجزائر

متى يتحرر اسم وطننا؟



متى يتحرر اسم وطننا؟
متى يتحرر اسم وطننا؟


وشهد شاهد من الفرنسيين على قومه، حيث سمّى بعض نخبتهم - وهم المهندسون الذين عملوا في الجزائر- ؛ سمّاهم "الفندال المحدثين(1)"، لأنهم أشاروا بهدم كثير من المنشآت العمرانية، وغضوا أبصارهم عن تحطيم كثير من هذه المنشآت رغم قيمتها التاريخية وأهميتها المعمارية، فساهموا في تشويه الخصوصية المعمارية للجزائر، واستبدلوا بها نوع البناء الفرنسي الذي يقول عنه هذا الشاهد الفرنسي إنه "ليس شنيعا فحسب؛ وإنما هو أيضا غير عملي في هذا البلد (2)".

إن الشخص الذي أدّى هذه الشهادة، وحكم هذا الحكم ليس مطعونا في وطنيته، وليس مجروحا في ولائه لقومه، وهو ليس شخصا عاديا من الفرنسيين؛ ولكنه من نخبتهم، فهو يتقن من اللغات ستّا هي اليونانية، واللاتينية، والإنجليزية، والإسبانية، والعربية إضافة إلى لغته الأصلية. وقد شارك في عدة حملات عسكرية على مناطق ومدن جزائرية. وجمع في تلك الحملات كثيرا من المخطوطات. ثم عين أمينا عاما للولاية العامة الفرنسية في الجزائر في عهد السفاح الجنرال كلوزيل، ثم أشرف على المكتبة العامة، وتولى رئاسة الجمعية التاريخية "الجزائرية" ومجلتها "المجلة الإفريقية". وهو عالم آثار، ومؤرخ، وعالم لغوي، إنه لويس أدريان بيربروجر (1801 - 1869)، الذي وسّمه الامبراطور نابوليون الثالث في 1865.

فأما المناسبة التي قال فيها بيربروجر هذا القول فهي عندما علم أن "المهندسي"" الفرنسيين قرروا أن يهدموا مبنى المكتبة العمومية الذي هو أحد القصور الجزائرية الجميلة، حتى إن بيربروجر نفسه سمى هذا المبنى "معبد الفن الجميل بأعمدته المرمرية وزخارفه (3)"، وأما السبب الذي جعلهم يقررون هدم هذا المبنى الجميل فهو أنهم "يريدون أن يقيموا هنا بطارية (مدفعية)(4)".

ومن كثرة ما رأى هذا الفرنسي من جرائم قومه "الواندال الجدد" ضد الحضارة الجزائرية أرسلها كلمة على قومه باقية إلى يوم الناس هذا، وهي "يبدو أن في الجزائر قانونا يقضي بأن يختفي كل ما هو جميل بأسرع ما يمكن، فإنه لن تمضي سنة حتى يهدم هذا المعبد الصغير للعلم، وستستمر في نفس الطريق جميع البنايات العربية الجميلة الباقية، وربما سيظل الإنسان يرى في محلها تلك الدور الفرنسية الضخمة الشبيهة بالثكنات (5)".

لقد صدّقت الأيام توقّع بير بروجر، فاختفى من الجزائر بسبب جرائم "الفرنسيين الوندال" كل جميل، وحل بها كل رذيل في المباني والمعاني مما تشمئز منه النفس السوية، وينفر مه العقل السليم.. ويتقزز منه الذوق اللطيف..

قرأت يوم الثلاثاء الماضي ما قاله مدير المجاهدين لولاية الجزائر "عن قرب الانتهاء من عملية تغيير التسميات الأجنبية (الفرنسية) الخاصة بالشوارع والأحياء والساحات والمؤسسات العمومية (6)"، وقد ذكرني هذا الحديث بالجريمة الكبرى التي ارتكبتها فرنسا في هذا الميدان، وهذه الجريمة التي ما تزال قائمة إلى يوم الناس هذا، هي إطلاق إسم "ألجيري" (ALGÉRIE) على الجزائر، والذي تولّى كبر هذه الجريمة هو وزير الحربية الفرنسي شنايدر الذي أعطى أمرا في 14 أكتوبر 1839 إلى الوالي العام الفرنسي في الجزائر الماريشال فالي، باستعمال هذا الاسم في المراسلات والوثائق..

كان هدف فرنسا من هذا الأمر هو أن يمحى اسم "الجزائر" من ذاكرة الجزائريين، لأنه اسم عربي مما يذكرهم بأنهم إلى العروبة ينتسبون وأنهم ليسوا فرنسيين، ولا الجزائر فرنسية، ولأنه يثير في نفوسهم ذكريات من أمجاد الجهاد ضد الدول الأوروبية الصليبية، ومنها فرنسا فيقومون لاستعادة هذا المسمى...

كان الوقت المناسب والرمزي لاستعادة كتابة اسم الجزائر باللغة الأجنبية كما يكتب باللغة العربية هو وقت تحرير اتفاقية إيفيان، كأن يتمسك المفاوض الجزائري على أن هذه الاتفاقية هي بين ALDJAZAIR وبين فرنسا، فلما لم يقع شيء من ذلك، كان الوقت الآخر المناسب هو يوم إعلان استعادة الدولة الجزائرية في 5 جويلية 1962، فلما فاتنا ذلك كان الوقت المناسب هو يوم عقد المجلس الوطني لأول مرة، حيث كان يمكن أن يكون من أول ما يصدره قانون ينص على أن يكون اسم الجزائر هو الاسم الرسمي ولو كتب بالحروف اللاتينية... وليس ALGÉRIE أو ALGERIA أو ARGELIA...

في سنة 1980، حاول الأخ بوعلام ابن حمودة - وزير الداخلية آنذاك- أن يتدارك الأمر فشكل لجنة مركزية مكونة من عدد من الأساتذة والإطارات هدفها تصحيح كتابة ألقاب الجزائريين وأسمائهم، واستبدال الألقاب ذات المعاني الشيناء، وكتابة أسماء المدن والأماكن كتابة عربية ولو بالأحرف اللاتينية مثل (WAHRAN) (EL BOULAIDA) (QUACENTINA)، وهذه اللجنة هي التي أشرفت على إعداد الوثائق الإدارية الحالية من بطاقة تعريف، وجواز السفر، وشهادات الحالة المدنية (ميلاد- وفاة - زواج - طلاق.. إلخ) وقد كتب هذه الوثائق الأستاذ الخطاط عبد القادر بومالة، وكان المشرف المباشر على هذه العملية هو الأخ الدكتور أحمد ابن نعمان، الذي كان آنذاك مستشارا في وزارة الداخلية..

أوحى الشيطان الإنسي الأكبر إلى خدّامه وأوليائه في الجزائر أن اغدوا على ما تركته فيكم، والذي يذكركم بأفضالي عليكم حيث شرفتكم بأن جعلتكم عبيدا لي، فسارع أولئك "الخدّام" وأفشلوا العملية، وكانت حجتهم الداحضة هي أن كلمة ALGÉRIE تجعلنا نتصدر الهيآت الدولية التي تعتمد الإلفبائيّة اللاتينية في تنظيم مقاعد الدول، وما علموا أن قيمة الدول ليست في هذه الشكليات ولو كان الأمر كما صورته لهم عقولهم الصغيرة لكانت الولايات المتحدة الأمريكية في ذيل الدول لأن اسمها يبدأ بحرف (U) وهو من أواخر الحروف في التريتب الآبجدي..

ولو كانت نيات "القابلين للاستعمار" سليمة لاقترحوا كتابة اسم الجزائر بالحروف اللاتينية هكذا (ALDJAZAIR) حتى يحافظوا على الصدارة الشكلية التي لايعرفون من أنواع الصدارة غيرها، والدليل هو الوضع المتردي الذي أوصلوا الجزائر الغالية إليه.. متحدثين عن النيف الجزائري الذي "مرّغوه" في الأوحال..

إن بعض الدول الافريقية التي لا تملك ما تملكه الجزائر من أمجاد في العلم والجهاد صارعت الأسماء التي سمتها بها الدول الأوروبية، وأعادت أسماءها الوطنية.. لأن قادة هذه الدول الافريقية أكثر وعيا ووطنية من "جماعتنا".

إنني أدعو كل وطني غيور على وطنه، وأدعو أعضاء البرلمان- وإن كان كثير منهم ليس لهم في المكرمات لا جِلٌّ ولا دِقٌّ، وأدعو ما يسمى "الأسرة الثورية" التي شغلت كثيرا منها الأموال وألهاها التكاثر؛ أدعوهم إلى مباشرة حملة لاستعادة اسم وطننا في المحافل الدولية ولو بكتابته بالحروف اللاتينية، وإن لم نفعل ذلك فلسنا جميعا على شيء.

وأختم بما كتبه الوطني الأصيل إمام النهضة ومحي الأمة عبد الحميد ابن باديس وهو: "والنسبة للوطن توجب علم تاريخه، والقيام بواجباته، من نهضة علمية، واقتصادية، وعمرانية، والمحافظة على شرف اسمه، وسمعة بنيه، فلا شرف لمن لا يحافظ على شرف وطنه، ولا سمعة لمن لا سمعة لقومه (7)". وهنيئا للجزائريين بما سماه المناضل امحمد يزيد رحمه الله "الاستقلال الشكلي".

هوامش:

1 - 2 - 3 - 4 - 5) هاينريش فون مالتسن: ثلاث سنوات في شمال غربي افريقيا. تعريب أبو العيد دودو. ج 1. ص29

6) جريدة الخبر: 2 / 7 / 2013 ص 29

7) مجلة الشهاب جزء 10، مجلد 5، نوفمبر 1929. ص11


سيظهر تعليقك على هذه الصفحة بعد موافقة المشرف.
هذا النمودج ليس مخصص لبعث رسالة شخصية لأين كان بل فضاء للنقاش و تبادل الآراء في إحترام
الاسم و اللقب :
البريد الالكتروني : *
المدينة : *
البلد : *
المهنة :
الرسالة : *
(الحقول المتبوعة بـ * إجبارية)