الجزائر

السّارق والمغفّل



لفت انتباهي وأنا بمركز بريد حيدرة، قبل أيام، جدال بين موظّفة شبّاك وأحد الزبائن، وكان طلب هذا الأخير إمكانية استخراج أموال من رصيده بوصل لبطاقة تعريف أو رخصة سياقة..
وما جعلني أنتبه لذلك، إلحاح الزبون على الموظّفة بتحقيق طلبه، وهو يحمل الوصل ويشرح لها أسباب عدم حيازته على بطاقة هوية، وراح الرجل الأنيق والهادئ يجتهد في تبريراته ليظهر بأنه جدير بالثقة، وقدّم نفسه، في خطوة أخرى، على أنه ''زميل مهنة''، كونه موظّفا في بريد الجزائر أيضا.
ولأن الموظّفة أصرّت على موقفها الرافض للدّوس على القانون، طلب الرجل، بثقة متناهية في النفس، مقابلة المدير.. ولم تتحرّج الموظّفة لطلبه، وتمتمت بعد تقدّم الرّجل بخطوات، وهي تهمّ لخدمة زبون آخر، لتقول ''دون بطاقة هوية، لن أمنح المال لأي شخص مهما كان، ولن أطيع أي أمر من أي مسؤول''، وأردفت، مستعيدة ذكريات ليست بالبعيدة مثلما فهمت: ''ما حدث لزميلنا المسكين (ذكرته بالاسم) يجعلني لا أأتمن أي أحد، فالمسكين يمثل اليوم أمام القضاء مرة أخرى، وزوجته المسكينة ستجنّ لأجله، لقد كان ساذجا، حين سحب أحدهم 81 مليونا دون أن يتأكد من هويته، والسارق الآن ينعم بالمال وهو يحاكم''.
ولأنه لم يكن لائقا أن أحشر أنفي في ما لا يعنيني، لم أتجرّأ على سؤالها عن حادثة ''الزميل المسكين''، ولو أنها تركت الانطباع بأن الكلام موجّه لنا نحن بعض الزبائن المتواجدين أمامها.. والتفتت إلى زميل لها ردّ عليها بقوله إن الخطأ خطأ زميلهما المسجون، ملمّحا إلى أنه ''مغفّل''، وقالت له بموقف حازم ومساند لمن كان يعمل معهما: ''إنه مسكين ولم يكن يعلم بأنه ذهب ضحية لص، وقلنا له (تقصد الزميل)، حاول جمع المبلغ وأعده لصاحبه الشاكي، غير أنه رفض''.
وقفت، وأنا أغادر مكتب البريد، عند موقف ''الرفض'' الذي تمسّك به الموظّف ''المسكين''، وقلت في قرارة نفسي إنه قد يكون قد رفض مقترح الزميلة أو الزملاء، حتى لا يجعل من نفسه مذنبا، على الأقل أمام من يعرفهم، وفضّل ربما خوض المعترك القضائي، ليثبت بأنه بريء من سرقة 18 مليون سنتيم.
واصلت سيري متجها نحو مقر جريدة ''الخبر'' لأباشر عملي، وتذكّرت صرف وزارة الشباب والرياضة لما لا يقلّ عن 90 مليار سنتيم على أندية محترفة مثقلة بالديون استفادت من دعم مالي إضافي للولاّة بدلا من المحاسبة، وعلى مشروع احترافي فاشل، وتذكّرت أيضا جملة من الصفقات المشبوهة في مجال الرياضة التي صنعت الحدث، دون متابعة، وراودتني صور رؤساء أندية يلتهمون الأموال دون حسيب أو رقيب ويقولون ''هل من مزيد؟''.
من كل هذا، لم يكن الموقف مضحكا طبعا، غير أنني لم أشعر بشفتاي وهما تميلان لرسم ابتسامة على محياي، واستعدت كلاما سمعته في أكثر من مناسبة مفاده أن ''القانون لا يحمي المغفّلين... فقط''، وبقيت المقاربة والمقارنة بين مصير من تسبّب في ضياع حفنة ملايين وبين حال من التهم الملايير تشغل بالي.


سيظهر تعليقك على هذه الصفحة بعد موافقة المشرف.
هذا النمودج ليس مخصص لبعث رسالة شخصية لأين كان بل فضاء للنقاش و تبادل الآراء في إحترام
الاسم و اللقب :
البريد الالكتروني : *
المدينة : *
البلد : *
المهنة :
الرسالة : *
(الحقول المتبوعة بـ * إجبارية)